الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

27

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ولا يمنع نزول الآية في شخص معين ، من تعميم ما جاء فيها لكل من يشارك ذلك الشخص في الصفة والحال . فالطغاة ، كثيرا ما يتذرعون بأعذار واهية ، عسى أن يتخلصوا من لوم وتأنيب الضمير من جهة . . ومن اعتراضات الناس ورجال الحق من جهة أخرى ، والعجيب أن الطغاة من الحماقة والتحجر بحيث أن أسلوب مواجهتهم للأنبياء ( عليهم السلام ) وعلى مر التاريخ قد جاء على وتيرة واحدة ، وكأنهم قد وضعوا لأنفسهم مخططا لا ينبغي الحيد عنه ، فعند مواجهتهم لدعوة الأنبياء ( عليهم السلام ) بتعاليم السماء ، ليس عندهم سوى أن يقولوا : سحر ، كهانة ، جنون ، أساطير ! ويعري القرآن مرة أخرى جذر طغيانهم وعنادهم ، بالقول : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون . ما أشد تقريع العبارة ! فقد احتوى صدأ أعمالهم كل قلوبهم ، فأزيل عنها ما جعل الله فيها من نور الفطرة الأولى وذهب صفائها ، ولذا . . فلا يمكن لشمس الحقيقة أن تشرق بعد في أفق قلوبهم ، ولا يمكن لتلك القلوب التعسة من أن تتقبل نفوذ أنوار الوحي الإلهي إلى دواخلها . " ران " : من ( الرين ) على وزن ( عين ) ، وهو : الصدأ يعلو الشئ الجليل ( كما يقول الراغب في مفرداته ) ، ويقول عنه بعض أهل اللغة : إنه قشرة حمراء تتكون على سطح الحديد عند ملامسته لرطوبة الهواء ، وهي علامة لتلفه ، وضياع بريقه وحسن ظاهره . وقيل : ران عليه : غلب عليه ، ورين به : وقع في ما لا يستطيع الخروج منه ولا طاقة له به ( 1 ) وكل هذه المعاني هي من لوازم المعنى الأول .

--> 1 - راجع : المنجد ، وتفسير الفخر الرازي في الآية المبحوثة .